الشيخ محمد رشيد رضا

438

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ببيان درجة الكمال في ذلك وهو الدين القيم فقال وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ أي لا أحد أحسن دينا ممن جعل قلبه سلما خالصا للّه وحده لا يتوجه إلى غيره في دعاء ولا رجاء ، ولا يجعل بينه وبينه حجابا من الوسطاء والحجاب ، بل يكون موحدا صرفا لا يرى في الوجود الا اللّه وآثار صفاته وسننه في ربط الأسباب بالمسببات ، فلا يطلب شيئا الا من خزائن رحمته ، ولا يأتي بيوت هذه الخزائن الا من أبوابها وهي السنن والأسباب ، ولا يدعو معه ولا من دونه أحدا في تيسير هذه الأسباب ، وتسهيل الطرق وتذليل الصعاب ، وهو مع هذا الايمان الخالص ، والتوحيد الكامل ، محسن في عمله ، متقن لكل ما يأخذ به ، متخلق باخلاق اللّه الذي أحسن كل شيء خلقه ، وأتقن كل شيء صنعه وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً أي واتبع في دينه ملة إبراهيم حنيفا أي حال كونه حنيفا مثل إبراهيم ، أو حال كون إبراهيم حنيفا ، أي اتبعه في حنيفيته ، التي كان عليها وهي ميله عن الوثنية وأهلها ، وتبرؤه مما كان عليه أبوه وقومه منها ، « إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ، وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ » أي جعل البراءة من الشرك ونزغاته وتقاليده والاعتصام بالتوحيد الخالص كلمة باقية في عقبه يدعو إليها النبيون والمرسلون منهم الأستاذ الامام : تقدم في الآيات السابقة وصف الضالين الذين لا يستعملون عقولهم في فهم الدين وآياته وذكر حظ الشيطان منهم وإشغالهم بالأماني الخادعة ، ثم بين ان أمر الآخرة ليس بالأماني وانما هو بالعمل والايمان ، وان العبرة عند اللّه بالقلوب والاعمال ، والحقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الأوقات والأحوال ، ولا تتبدل بتبديل الأجيال والآجال ، ثم زاد هذا بيانا بهذه الآية فبين ان صفوة الأديان التي ينتحلها الناس هي ملة إبراهيم في اخلاص التوحيد وإحسان العمل ، وعبر عن توجه القلب باسلام الوجه لان الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الاقبال والاعراض والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك ، وقد يظهر بعض الناس الخضوع أو الاحترام للآخر بإشارة اليد ولكن هذا يكون بالتعمل ويعرف بالمواضعة ، وما يظهر في الوجه